وهبة الزحيلي
296
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
لقبول الحق ، والخضوع لنداء اللّه ، والنظر في الدلائل الدالة على صدق رسالة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والتأمل في عجائب الكون المشاهدة الدالة على وجود اللّه تعالى ووحدانيته . أما نفع الإنذار ، فهو كما ذكر تعالى : إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ ، وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ ، فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ أي إنما ينفع إنذارك الذين آمنوا بالقرآن العظيم واتبعوا أحكامه وشرائعه ، وخافوا عقاب اللّه قبل حدوثه ومعاينة أهواله ، أو خشوا اللّه قبل رؤيته ، فهؤلاء بشرهم بمغفرة لذنوبهم ، ورضوان من اللّه ، وأجر كريم ونعيم مقيم هو الجنة . ونظير الآية : إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ، وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [ الملك 67 / 12 ] . ثم أكد اللّه تعالى حصول الجزاء للمؤمنين وغيرهم ، فقال : إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى ، وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ أي إننا قادرون فعلا على إحياء الموتى ، وبعثهم أحياء من قبورهم ، ونحن الذين ندوّن لهم كل ما قدموه وأسلفوه من عمل صالح أو سئ ، وتركوا من أثر طيب أو خبيث ، أي نكتب ونسجل أعمالهم التي باشروها بأنفسهم ، وآثارهم التي أثروها وخلفوها من بعدهم ، فنجزيهم على ذلك إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، فمن عمل على نشر الفضيلة جوزي بها ، ومن عمد إلى نشر الرذيلة والسوء في الملاهي أو الكتب الخليعة يحاسب عليها . وهذا كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم - فيما رواه مسلم عن جرير بن عبد اللّه البجلي - : « من سنّ في الإسلام سنّة حسنة ، كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده ، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ، ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة ، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا » .